يرى الباحث يونس يزيزيو أن الاقتصاد السياسي في مصر تشكّل عبر عقود بفعل الدور المتنامي للمؤسسة العسكرية داخل الدولة، وهو دور تطور من الهيمنة السياسية بعد ثورة 1952 إلى حضور اقتصادي واسع يمتد إلى معظم القطاعات الحيوية. ويشير إلى أن الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي في صيف 2013 مثّل نقطة تحول مفصلية، إذ وضع القوات المسلحة في قلب النظام السياسي الذي رسخه عبد الفتاح السيسي بعد توليه السلطة في العام التالي.
وأوضح التقرير الذي نشره موقع هورن ريفيو أن حكومة مرسي، رغم خلافاتها مع مؤسسات الدولة، تجنبت المساس بالمصالح الاقتصادية القائمة للمؤسسة العسكرية، بما في ذلك ملكية الأراضي والإعفاءات الضريبية والأنشطة التجارية. لكن إدارة السيسي لم تكتفِ بالحفاظ على هذه الامتيازات، بل وسّعتها وربطتها مباشرة بمؤسسة الرئاسة، بحيث أصبح أي تحدٍ للدور الاقتصادي للجيش يمثل في الوقت نفسه تحديًا لبنية الدولة نفسها.
توسع الدور الاقتصادي للجيش وتركيز السلطة
يعتمد النموذج الاقتصادي الذي تبلور بعد عام 2014 على أداء المؤسسة العسكرية أدوارًا متعددة تشمل امتلاك الأراضي، وتنفيذ المشروعات، وإدارة أنشطة تجارية مباشرة في قطاعات البناء والصناعات الغذائية والعقارات والسلع الاستهلاكية. واستفادت هذه المنظومة من إعفاءات ضريبية وتكاليف تشغيل منخفضة، بالتوازي مع تعزيز صلاحيات الرئاسة بعد التعديلات الدستورية عام 2019 التي مددت فترة بقاء السيسي في الحكم حتى عام 2030.
ويرى التقرير أن هذا النموذج عزز اعتماد الاقتصاد على قطاعي التشييد والاستخراج، وهما القطاعان اللذان يحظيان بأكبر حضور للمؤسسة العسكرية. كما استحوذا على أكثر من نصف الاستثمارات المحلية والأجنبية، بينما تراجع الاهتمام بقطاعات مثل الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، رغم قدرتها على خلق فرص عمل مستدامة.
ويبرز التقرير إعادة هيكلة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة باعتبارها مثالًا واضحًا على هذا التوجه، إذ تحولت المؤسسة من هيئة معنية بالتنمية الزراعية والصناعية إلى كيان يمتلك صلاحيات واسعة لإدارة الأراضي والشركات الحكومية وإنشاء مناطق تنموية معفاة من الضرائب وإدارة صناديق مالية. وأصبح الجهاز يدير واحدة من أكبر عمليات استيراد القمح في العالم، ويتولى الإشراف على البحيرات والثروة السمكية، ويمتلك الحصة الأكبر في البورصة المصرية للسلع، كما توسعت أنشطته لتشمل الإسكان الفاخر والطاقة المتجددة وإنتاج ألبان الأطفال، مع ارتباط مباشر برئاسة الجمهورية.
الاستثمارات والشرعية السياسية والعلاقة بين الاقتصاد والسلطة
يعتبر التقرير أن النظام الاقتصادي المصري يقوم على توزيع الفرص الاقتصادية بطريقة تضمن ولاء مراكز القوة المختلفة، لكنه يشير إلى أن السيسي أعاد توجيه النصيب الأكبر من هذه الفرص نحو المؤسسة العسكرية مقارنة بالمؤسسات البيروقراطية والقطاع الخاص، وهو ما غيّر توازنات قائمة منذ عقود.
ويرى الباحث أن هذا التحول ساهم في تراجع نفوذ رجال الأعمال الذين تمتعوا باستقلالية أكبر خلال عهد حسني مبارك، كما فرض إعادة ترتيب داخل الأجهزة الأمنية للحفاظ على تماسك النظام.
ويضيف التقرير أن شرعية النظام لم تعد تعتمد بصورة رئيسية على الإجراءات أو الأيديولوجيا، بل على قدرة الدولة على تنفيذ مشروعات ضخمة ومرئية تعزز صورة رئيس الانقلاب وتربط الإنجازات بشخصه. ويفسر ذلك الاهتمام الكبير بمشروعات البنية التحتية حتى عندما تثار تساؤلات بشأن جدواها الاقتصادية، إلى جانب إسناد مواقع حساسة إلى شخصيات تحظى بثقة رئيس الانقلاب، بما يعكس تغليب الولاء الشخصي على آليات الرقابة المؤسسية.
التمويل الخارجي والطموحات الإقليمية وتحديات المستقبل
يحذر التقرير من أن استمرار هذا النموذج الاقتصادي يعتمد بصورة كبيرة على تدفق التمويل الخارجي، لأن الإيرادات المحلية لا تكفي لتمويل حجم الاستثمارات التي تقودها الدولة والمؤسسة العسكرية. ولذلك اتجهت الحكومة إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية وإبرام اتفاقات تمويل مع دول الخليج، وهو ما جعل الاقتصاد الداخلي أكثر ارتباطًا بالسياسة الخارجية.
ويخلص الباحث إلى أن الاقتصاد العسكري لا يمثل مجرد نشاط اقتصادي موازٍ، بل أصبح الآلية الأساسية التي يحافظ عبرها النظام السياسي على استقراره، من خلال توزيع المنافع الاقتصادية، وتعزيز الشرعية عبر المشروعات الكبرى، والاعتماد على التمويل الخارجي لضمان استمرار هذا النموذج.
ويشير التقرير إلى أن الطموحات الإقليمية المصرية باتت تتجاوز في بعض جوانبها القدرة الاقتصادية للدولة، إذ تواصل القاهرة توسيع نفوذها في السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي رغم الضغوط المالية وارتفاع مستويات الدين والاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي. ويرى أن هذه السياسة أفرزت التزامات دبلوماسية ومالية متزايدة دون تحقيق مكاسب استراتيجية موازية، وهو ما يضع السياسة الخارجية أمام تحديات متنامية في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية.
https://hornreview.org/2026/07/30/egypts-centralized-political-economy-and-the-future-of-egypt-authority/

